محمد بن جرير الطبري
105
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
جِماعَه يجري مجرى الواحد من الأشياء غيره ( 1 ) . لأن حكم الواحد منه منفردًا قَلَمَّا يُصاب ، فجرى جماعه مجرى من الأشياء غيره ( 2 ) ثم جُعلت الواحدة منه كالقطعة من جميعه ، فقيل : بُرَّة وشعيرة وقصبة ، يراد به قطعة منه ( 3 ) . ولم تكن سور القرآن موجودةً مجتمعةً اجتماعَ البرّ والشعير وسور المدينة ، بل كلّ سورة منها موجودةٌ منفردة بنفسها ، انفرادَ كل غُرْفة من الغُرف وخُطبة من الخطب ، فجُعِل جمعُها جمع الغُرَف والخطب ، المبنيِّ جمعها من واحدها . ومن الدلالة على أنّ معنى السورة : المنزلةُ من الارتفاع ، قول نابغة بني ذُبيان : أَلَمْ تَرَ أنَّ الله أعطاكَ سُورَةً . . . تَرَى كلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ ( 4 ) يعني بذلك : أنّ الله أعطاه منزلة من منازل الشرف التي قصَّرت عنها منازلُ الملوك . وقد همز بعضهم السورةَ من القرآن . وتأويلُها ، في لغة من هَمَزها ، القطعةُ التي قد أفضِلت من القرآن عما سواها وأبقيت . وذلك أن سؤر كل شيء : البقية منه تَبقى بعدَ الذي يُؤخذ منه ، ولذلك سميت الفضْلة من شراب الرجل - يشرَبُه ثم يُفضلها فيبقيها في الإناء - سُؤْرًا . ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة ، يصف امرأةً فارقته فأبقت في قلبه من وجْدِها بقية : فبَانَتْ ، وقد أَسْأَرتْ في الفُؤادِ . . . صَدْعًا ، على نَأيِهَا ، مُسْتَطِيَرا ( 5 )
--> ( 1 ) في المطبوعة : " فإن جماعه كالواحد " . وفي المخطوطة " فإن جماعه مجرى الواحد " ، سقط من الناسخ قوله " يجري . . . " . ( 2 ) في المطبوعة " مفردا " مكان " منفردا " . ( 3 ) يعني أنه اسم جنس ، سبق الجمع الواحد . لأنه لم يوضع للآحاد ، وإنما وضع لجملته مجتمعًا ، وهو الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء . ( 4 ) ديوانة : 57 ، ويأتي في تفسير الطبري : 215 ( بولاق ) . يتذبذب : يضطرب ويحار . والذبذبة : تردد الشيء المعلق في الهواء يمنة ويسرة . يقول : أعطاك الله من المنزلة الرفيعة ، ما لو رامه ملك وتسامى إليه ، بقي معلقًا دونها حائرًا يضطرب ويتردد ، لا يطيق أن يبلغها . ( 5 ) ديوانه : 67 ، ويأتي في تفسير للطبري 29 : 129 ( بولاق ) . استطار الصدع في الزجاجة وغيرها : تبين فيها من أولها إلى آخرها ، وفشا وامتد .